ابن قتيبة الدينوري
149
تأويل مشكل القرآن
من القرآن ، إلا نفرا منهم وفقهم اللّه لجمعه ، وسهّل عليهم حفظه . قال أنس بن مالك : كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جدّ فينا . أي جلّ في عيوننا ، وعظم في صدورنا . قال الشّعبي : توفى أبو بكر ، وعمر ، وعلي ، رحمهم اللّه ، ولم يجمعوا القرآن . وقال : لم يختمه أحد من الخلفاء غير عثمان . وروي عن شريك ، عن إسماعيل بن أبي خالد أنه قال : سمعت الشّعبي يحلف باللّه ، عزّ وجل ، لقد دخل عليّ حفرته وما حفظ القرآن . وكانت وفود العرب ترد على رسول اللّه ، صلّى اللّه عليه وسلم للإسلام ، فيقرئهم المسلمون شيئا من القرآن ، فيكون ذلك كافيا لهم . وكان يبعث إلى القبائل المتفرّقة بالسّور المختلفة ، فلو لم تكن الأنباء والقصص مثنّاة ومكرّرة لوقعت قصّة موسى إلى قوم ، وقصة عيسى إلى قوم ، وقصة نوح إلى قوم ، وقصة لوط إلى قوم . فأراد اللّه ، بلطفه ورحمته ، أن يشهر هذه القصص في أطراف الأرض ويلقيها في كل سمع ، ويثبتها في كل قلب ، ويزيد الحاضرين في الإفهام والتحذير . وليست القصص كالفروض ، لأنّ كتب رسول اللّه ، صلّى اللّه عليه وسلم كانت تنفذ إلى كل قوم بما فرضه اللّه عليهم من الصلاة ، وعددها وأوقاتها ، والزّكاة وسنتها ، وصوم شهر رمضان ، وحجّ البيت . وهذا ما لا تعرف كيفيته من الكتاب ، ولم تكن تنفذ بقصة موسى وعيسى ونوح وغيرهم من الأنبياء . وكان هذا في صدر الإسلام قبل إكمال اللّه الدين ، فلما نشره اللّه عزّ وجل في كل قطر ، وبثّه في آفاق الأرض ، وعلم الأكابر الأصاغر ، وجمع القرآن بين الدّفّتين - : زال هذا المعنى ، واجتمعت الأنباء في كل مصر وعند كل قوم . وأما تكرار الكلام من جنس واحد وبعضه يجزئ عن بعض ، كتكراره في : قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ ( 1 ) [ الكافرون : 1 ] وفي سورة الرحمن بقوله : فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 13 ) [ الرحمن : 13 ] فقد أعلمتك أنّ القرآن نزل بلسان القوم ، وعلى مذاهبهم . ومن مذاهبهم التكرار : إرادة التوكيد والإفهام ، كما أن من مذاهبهم الاختصار : إرادة التخفيف والإيجاز ، لأن افتتان المتكلم والخطيب في الفنون ، وخروجه عن شيء إلى شيء - أحسن من اقتصاره في المقام على فنّ واحد .